هذه القصة روائيه دراميه اكثر من جنسيه بها جنس صريح ولكن بطابع درامى سوف انشر يوميا انا كتبت جزء كبير منها بالفعل واريد استبيان منكم
ولكن اذا لم اجد تفاعل سأتوقف
البدايه مشوقه وفيها لغز محتاج تصبروا لأنها ممتعه للغايه
قصة: «لعنة الابن الوحيد»
الفصل الأول: صوت البحر الأبدي
كانت الجزيرة تُدعى "أم الظلال".
لا أحد يعرف من أين جاء هذا الاسم، لأن لا أحد في الجزيرة يتذكر زمنًا سبق وجودهم فيها. البحر يحيط بها من كل جانب، غاضبًا في الشتاء، هادئًا كالميت في الصيف. لا سفن تأتي، ولا سفن تخرج. الجزيرة هي العالم كله.
في قرية "النخيل السوداء"، التي لا تضم سوى سبع عائلات، عاشت ندى وابنها عبدو.
ندى كانت في الثامنة والثلاثين، لكن وجهها يحمل ملامح امرأة عاشت ضعف ذلك العمر. عيونها سوداء عميقة، وشعرها الأسود الطويل كان دائمًا مربوطًا بخيط من ألياف النخيل. كانت تُعرف في القرية بـ"ندى الصامتة"، لأنها تكلم قليلاً، وتستمع كثيرًا.
أما عبدو، فكان في الثامنة عشرة من عمره. طويل القامة، نحيف، بشرته سمراء داكنة من شمس الجزيرة التي لا ترحم. الشاب عبدو مات ابوه غرقا وهوا طفل
في ليلة من ليالي القمر الكبير، جلس عبدو على صخرة عالية تطل على البحر. كان يمسك في يده صدفة كبيرة مجوفة يضعها على أذنه من حين لآخر، يستمع إلى صوت البحر الذي يبدو أحيانًا كأنه يهمس بكلمات.
اقتربت منه ندى بخطوات هادئة حاملة معها قطعة قماش قديمة لتغطي كتفيه من برد الليل.
"ما زلت هنا؟" قالت بهدوء.
عبدو لم يلتفت. استمر ينظر إلى البحر الأسود الذي يلمع تحته كالزجاج المكسور.
"أمي... لماذا لا يوجد أحد خارج الجزيرة؟"
وجميع من بالجزيره أصبحوا اموات
تنهدت ندى طويلاً. جلست بجانبه على الصخرة الباردة.
"هذه الأسئلة نفسها كنت أسألها أنا عندما كنت في سنك."
"و ماذا أجابتك جدتي؟"
صمتت ندى للحظات طويلة. ثم قالت بصوت منخفض:
"قالت لي: لا تسألي عن ما وراء البحر، يا ندى. البحر أكل كل من سأل قبلك."
عبدو التفت إليها أخيرًا. القمر ألقى ضوءًا فضيًا على وجهه.
"لكنكِ لم تصدقيها، أليس كذلك؟"
ابتسمت ندى ابتسامة حزينة.
"كنت مثلك تمامًا... عنيدة. كنت أحلم كل ليلة أنني أركب قاربًا وأبتعد. وفي كل حلم كان البحر يعود بي إلى الشاطئ نفسه... وأنت بجانبي، طفلًا صغيرًا تبكي."
عبدو أمسك بيد أمه. كانت يدها باردة.
كان عبدو يمشي كل صباح على الشاطئ الشرقي، يجمع بعض الأخشاب الملقاة، ويبحث عن أي أثر للحياة. لكن الحياة قد غادرت الجزيرة منذ زمن.
قبل عشر سنوات، كانت القرية تضم أكثر من مئتي نسمة. كانوا يعيشون حياة بسيطة، يصطادون السمك، ويزرعون النخيل، ويروون حكايات قديمة حول النار. لكن كان هناك سر واحد يعرفه الجميع ولا يتكلمون عنه إلا همسًا:
الجميع كانوا عقيمين.
لا طفل واحد ولد في الجزيرة منذ اكثر من ثلاثون عام... إلا من ندى وزوجها، سالم.
عندما حملت ندى، احتفل أهل الجزيرة احتفالاً كبيرًا. اعتقدوا أن اللعنة قد انكسرت أخيرًا. رقصوا وغنوا وذبحوا ما تبقى لديهم من الماعز. لكن الفرح لم يدم طويلاً.
بعد ولادة عبدو بأشهر قليلة، بدأت التغييرات.
أولاً، شعر الشيوخ بآلام في مفاصلهم. ثم بدأ الشعر يشيب بسرعة مرعبة. الوجوه تتجعد، والأجساد تنحنى، والأنفاس تصبح قصيرة. كانوا يشيخون بمعدل سنة كاملة كل شهر. مات أولهم بعد سنة واحدة فقط من ولادة عبدو. ثم الثاني... والثالث...
واحد تلو الآخر، غادروا الحياة.
حتى سالم، والد عبدو، لم ينجُ. في السنة الاولى بعد ولادة ابنه، استيقظت ذات صباح اخبرونى انه غرق فى البحر كان يحاول ركوب البحر ليجد اماكن اخرى للعيش
والآن، بعد ثمانية عشر عام كاملة من ولادة عبدو، لم يبقَ أحد على قيد الحياة في الجزيرة بأكملها سوى الأم وولدها.
كان عبدو في الثامنة عشرة الآن. طويل، قوي البنية، ذو عيون سوداء حادة تشبه عيون أمه تمامًا. كان يقف على تلة صغيرة يطل منها على القرية المهجورة. الأكواخ فارغة، أبوابها مفتوحة، وأسقف بعضها سقطت. نباتات اللبلاب بدأت تغزو الجدران.
اقتربت ندى من خلفه. كانت لا تزال في الثامنة والثلاثين، لم تتقدم في السن يومًا واحدًا منذ ولادة ابنها. بشرتها ناعمة، وشعرها أسود كالحبر، وجسدها يحمل قوة غريبة.
"لا تذهب إلى القرية كثيرًا يا عبدو"، قالت بهدوء.
"لماذا؟" سأل دون أن يلتفت.
"لأن الأرواح لا تزال تتجول هناك."
التفت إليها عبدو. وجهه يحمل تعبيرًا مختلطًا بين الحزن والغضب المكبوت.
"أمي... ما السبب، لطالما سألتك فلم تجاوبى؟"
صمتت ندى.
تابع عبدو بصوت مكسور:
"كلما نظرت إلى بيوت القرية أتذكر وجوههم... كانوا يبتسمون لي عندما كنت طفلاً. كانوا يحملونني ويلعبون معي. ثم بدأوا يذبلون أمام عيني. وأنا... أنا لم أكبر إلا ببطء طبيعي. أما أنتِ فلم تشيخي أبدًا."
اقتربت ندى أكثر ووضعت يدها على كتفه."
دمعت عينا ندى لأول مرة منذ سنوات.
"هناك شيء لم أخبرك به بعد."
أمسك عبدو بذراع أمه بلطف لكنه بحزم.
"اليوم ستقولين لي كل شيء. لقد سئمتُ الصمت. سئمتُ هذه الجزيرة.
نظرت ندى إلى البحر الواسع الذي يحاصر الجزيرة من كل اتجاه، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
"تعال معي. سآخذك إلى الكهف الموجود خلف شلال الدموع. هناك... سأروي لك الحقيقة كاملة."
ندى نظرت إلى البحر طويلاً قبل أن ترد
"غدًا، عندما تشرق الشمس، سآخذك إلى مكان لم تره من قبل. مكان لا يذهب إليه أحد من أهل القرية."
"أين؟" الا المختارون
"إلى قلب الجزيرة... إلى الغابة الممنوعة."
نهضت ندى ووضعت يدها على كتف ابنها.
"لكن اسمعني جيدًا يا عبدو... بعد أن ترى ما سأريك إياه، لن تستطيع أن تنساه أبدًا. وقد تكرهني."
التفت عبدو بدهشة:
"أكرهكِ؟ مستحيل."
ابتسمت ندى ابتسامة غامضة وهي تنظر إلى البحر.
"كل شيء ممكن في هذه الجزيرة... حتى كره الابن لأمه."
"لكن اعلم أن ما ستراه وتسمعه قد يغير كل شيء بيننا.
قد تكرهني. قد تنفر مني.
لكن هذا هو الثمن الوحيد لمعرفة ما العمل إذا مات أحدنا."
وقف عبدو، قلبه يخفق بشدة.
"أنا مستعد."
نظرت ندى إلى القمر ثم إلى ابنها وقالت بصوت خافت:
"لا... لست مستعدًا بعد.
لكنك ستكون."
ظل الصمت ثقيلاً بينهما بعد كلام ندى عن الكهف. لكن في هذه الليلة، لم تستطع ندى أن تنام. جلست خارج المنزل طوال ساعات الظلام، تحدق في النار الخافتة، وتفكر.
عندما اقترب الفجر، استيقظ عبدو من غفوه قصيرة . رآها جالسة في نفس المكان، عيناها حمراء من قلة النوم. اقترب منها بهدوء وجلس بجانبها.
"أمي... لم تنامي؟"
هزت ندى رأسها ببطء. ثم رفعت عينيها إليه. كان في نظرتها شيء مختلف هذه المرة... مزيج من الحزم والخوف واليأس.
"عبدو... اجلس جيدًا. أريد أن أتكلم معك قبل أن نذهب إلى الكهف."
جلس عبدو أمامها مباشرة، ينتظر.
أخذت ندى نفسًا عميقًا، ثم بدأت بصوت هادئ لكنه واضح:
"يا ولدي... لقد فكرتُ كثيرًا في حلول لهذا الحال الذي نحن فيه.
فكرتُ ليالي طويلة، حتى جفَّ دماغي من التفكير.
فكرتُ في الهرب من الجزيرة، لكن البحر لا يرحم.
فكرتُ في انتظار معجزة، لكن المعجزات توقفت منذ ولادتك.
فكرتُ في أن أنهي حياتي بنفسي حتى لا أتركك وحيدًا... لكنني لم أستطع."
توقفت قليلاً، ثم تابعت بصوت أكثر انخفاضًا:
"فلم أهتدِ إلا إلى سبيل واحد."
نظر إليها عبدو بترقب شديد.
"وما هو هذا السبيل؟"
نظرت ندى إلى عينيه مباشرة، ولم تهرب بنظرها هذه المرة. قالت ببطء ستعلم
"حين كان الأولون في موقف مشابه لموقفنا... عندما بقي رجل وامرأة فقط في مكان ما، وانقرضت الحياة من حولهم...
كانوا يفعلون شيئًا واحدًا لكي يبقوا الجنس البشري."
توقفت لحظة، ثم أكملت:
"يتزوج الأخُ أخته... للتناسل.
لكي تبقى الحياة."
سقط الصمت كالصخرة بينهما.
حدق عبدو في أمه طويلاً، كأنه لم يفهم معنى الكلمات. ثم ارتجفت شفتاه، وتغير لون وجهه.
"ماذا... ماذا قلتِ؟"
أعادت ندى الكلام بهدوء، لكن صوتها كان يرتجف هذه المرة:
"قلتُ: تزوج الأخ أخته... لكي ينجبا أطفالًا، حتى لا تنقرض الحياة تمامًا.
هذا هو الحل الوحيد الذي وصلتُ إليه بعد كل هذه الليالي."
نهض عبدو فجأة، كأن شيئًا لسعه. ابتعد خطوتين إلى الخلف وهو ينظر إليها بذهول واشمئزاز مختلط.
"أمي... أنتِ... أنتِ تتحدثين عني و عنكِ؟
أنتِ أمي! أنا ابنكِ!
كيف... كيف تجرئين حتى على التفكير في هذا الكلام؟!"
هوا ضاحكا انتى تمزحين وذهب الى غرفته يتمايل من الضحك
وقفت ندى أيضًا، عيناها مليئتان بالدموع، لكن صوتها بقي ثابتًا تحدث نفسها بما لم تستطيع اخبار ابنها به
"أعرف يا عبدو. أعرف جيدًا ما أقوله.
أنا أمكِ الحقيقية، وأنت ابني الوحيد.
لكن إذا متُّ أنا، ستموت أنت وحدك بعد سنوات.
وإذا متَّ أنت، سأموت أنا من الوحدة.
هل تريد أن تنتهي البشرية في هذه الجزيرة إلى الأبد؟
هل تريد أن يكون آخر إنسانين في العالم هما أم وابنها، ثم ينتهي كل شيء؟"
"هناك فرق بين البقاء وبين... هذا!
هذا حرام! هذا مرض! هذا..."
"هذا هوا البقاء!" .
"في زمن الأولين فعلوها عندما اضطروا. والآن نحن مضطرون أكثر منهم.
"غدًا سنذهب إلى الكهف كما وعدتك.
ستعرف هناك لماذا حدث كل هذا... ولماذا أنا لم أشِخ مثل الآخرين."
ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
والآن... أصبح للسؤال جواب مرعب
وصلا إلى شلال الدموع بعد مشي طويل وصعب. كان الشلال يسقط من ارتفاع شاهق، وخلفه فتحة ضيقة تؤدي إلى كهف مظلم. دخلا الكهف بحذر، حاملين معهما مشعلين من خشب النخيل المجفف.
داخل الكهف كان الهواء باردًا ورطبًا، ورائحة الطين والحجر القديم تملأ المكان. أشعل عبدو المشعلين، فارتفعت النيران وكشفت عن جدران الكهف المغطاة بنقوش وكتابات ، محفورة بعناية في الحجر.
كانت النقوش تحتوي على رسوم وكلمات بلغة قديمة، لكنها مفهومة بطريقة غريبة، كأن اللعنة نفسها تسمح لهما بقراءتها.
بدأت ندى تمسك بالمشعل وتقرأ بصوت هادئ مرتجف، بينما وقف عبدو بجانبها يستمع في صمت شديد.
كتب على الجدار الأول بخط كبير وواضح:
«هذه الجزيرة ملعونة بالعقم.
كل ألف عام تنزل اللعنة على أهلها.
يصبح الجميع عقيمًا، ويموت النسل تدريجيًا.
لكن القدر يختار شابًا وفتاة بشكل عشوائي من بين الأهالي.
يجب على الشاب والفتاة أن يتزوجا، ليكملا نسل الجزيرة.
فجميع نسلهم سيكون غير عقيم، وسيعود الخصب إلى الجزيرة من جديد.»
انتقلت ندى إلى الجدار الثاني، صوتها أصبح أثقل:
«من يرفض الزواج... تموت الجزيرة بأكملها.
ومن يقبل... يحصل على مكافئه سخيه العمر الطويل والشباب والخصوبه.»
سكتت ندى للحظات. كان عبدو يقرأ النقوش بنفسه، عيناه تتسعان من الدهشة والرعب.
ثم تابعت الأم، وهي تشير إلى نقش أعمق في الجدار:
"وللأسف يا عبدو... كان أبوك هو الشاب الذي اختاره القدر.
وكنتُ أنا الفتاة.
تزوجنا رغمًا عنا في البداية. كنا خائفين جدًا. لكننا تزوجنا... وأنجبناك أنت.
بعد ولادتك مباشرة... بدأت اللعنة تفعل فعلها.
شاخ أهل الجزيرة بسرعة مرعبة، وماتوا واحدًا تلو الآخر.
ثم غرق أبوك فجأة في البحر ... غرق ولم نجد جثمانه.
غرق أهل الجزيرة في اليأس بعد موته. مرضوا من الحزن والخوف، وماتوا جميعًا خلال سنوات قليلة.
وبقيت أنا... وبقيت أنت."
توقفت ندى عن القراءة. دموعها كانت تسيل على وجنتيها الآن دون أن تحاول إخفاءها.
التفتت إلى ابنها وقالت بصوت مكسور:
"لم أكن أفكر أبدًا أنك يمكن أن تحل مكان أبيك.
كنت أصلي كل ليلة أن تنكسر اللعنة، أو أن يأتي أحد من خارج الجزيرة...
لكن السنين مرت، ولم يأتِ أحد.
وبقينا نحن الاثنين فقط.
الآن... أدركت أن القدر ربما اختارك أنت لتكمل الدورة.
أنا الفتاة التي اختيرت قبل عشرين سنة...
وأنت الشاب الوحيد المتبقي."
وقف عبدو أمام الجدار، يده تمسك بالحجر البارد. كان يقرأ النقوش مرة بعد أخرى، كأنه يحاول أن يجد ثغرة، أي ثغرة في هذه اللعنة.
"يعني... كل هذا بسبب لعنة قديمة؟" قال بصوت منخفض.
"يعني أنني ولدت فقط لأكون زوجًا لأمي يومًا ما؟
هذا هو القدر الذي تتحدثين عنه؟"
اقتربت ندى منه ووضعت يدها على كتفه بلطف.
"أنا لا أعرف يا ولدي.
كل ما أعرفه أنني لا أريد أن أراك تموت وحيدًا مثل أبيك.
ولا أريد أن أموت أنا وأنا أنادي عليك ولا أحد يجيب.
النقوش تقول إن نسلنا سيكون غير عقيم... يعني لو أنجبنا أطفالًا، سيعيشون ويتناسلون وتمتلئ الجزيرة من جديد."
دار عبدو فجأة نحو أمه، وجهه مليء بالألم والغضب والحيرة:
"وأنتِ مستعدة أن تفعلي هذا؟
أن تكوني زوجة لابنكِ... من أجل إنقاذ الجزيرة؟"
أجابت ندى بصوت هادئ لكنه يحمل قوة غريبة:
"أنا مستعدة أن أفعل أي شيء حتى لا تنقرض الحياة تمامًا...
حتى لو كان الثمن كرامتي وكرامتك."
ساد الصمت في الكهف مرة أخرى، مقطوعًا فقط بصوت الشلال الخارجي.
كان عبدو ينظر إلى النقوش القديمة، ثم إلى وجه أمه، ثم إلى يديه اللتين ترتجفان.
اللعنة لم تعد مجرد كلام... أصبحت حقيقة محفورة في الحجر أمامه.
تعليقات من فضلكم
ولكن اذا لم اجد تفاعل سأتوقف
البدايه مشوقه وفيها لغز محتاج تصبروا لأنها ممتعه للغايه
قصة: «لعنة الابن الوحيد»
الفصل الأول: صوت البحر الأبدي
كانت الجزيرة تُدعى "أم الظلال".
لا أحد يعرف من أين جاء هذا الاسم، لأن لا أحد في الجزيرة يتذكر زمنًا سبق وجودهم فيها. البحر يحيط بها من كل جانب، غاضبًا في الشتاء، هادئًا كالميت في الصيف. لا سفن تأتي، ولا سفن تخرج. الجزيرة هي العالم كله.
في قرية "النخيل السوداء"، التي لا تضم سوى سبع عائلات، عاشت ندى وابنها عبدو.
ندى كانت في الثامنة والثلاثين، لكن وجهها يحمل ملامح امرأة عاشت ضعف ذلك العمر. عيونها سوداء عميقة، وشعرها الأسود الطويل كان دائمًا مربوطًا بخيط من ألياف النخيل. كانت تُعرف في القرية بـ"ندى الصامتة"، لأنها تكلم قليلاً، وتستمع كثيرًا.
أما عبدو، فكان في الثامنة عشرة من عمره. طويل القامة، نحيف، بشرته سمراء داكنة من شمس الجزيرة التي لا ترحم. الشاب عبدو مات ابوه غرقا وهوا طفل
في ليلة من ليالي القمر الكبير، جلس عبدو على صخرة عالية تطل على البحر. كان يمسك في يده صدفة كبيرة مجوفة يضعها على أذنه من حين لآخر، يستمع إلى صوت البحر الذي يبدو أحيانًا كأنه يهمس بكلمات.
اقتربت منه ندى بخطوات هادئة حاملة معها قطعة قماش قديمة لتغطي كتفيه من برد الليل.
"ما زلت هنا؟" قالت بهدوء.
عبدو لم يلتفت. استمر ينظر إلى البحر الأسود الذي يلمع تحته كالزجاج المكسور.
"أمي... لماذا لا يوجد أحد خارج الجزيرة؟"
وجميع من بالجزيره أصبحوا اموات
تنهدت ندى طويلاً. جلست بجانبه على الصخرة الباردة.
"هذه الأسئلة نفسها كنت أسألها أنا عندما كنت في سنك."
"و ماذا أجابتك جدتي؟"
صمتت ندى للحظات طويلة. ثم قالت بصوت منخفض:
"قالت لي: لا تسألي عن ما وراء البحر، يا ندى. البحر أكل كل من سأل قبلك."
عبدو التفت إليها أخيرًا. القمر ألقى ضوءًا فضيًا على وجهه.
"لكنكِ لم تصدقيها، أليس كذلك؟"
ابتسمت ندى ابتسامة حزينة.
"كنت مثلك تمامًا... عنيدة. كنت أحلم كل ليلة أنني أركب قاربًا وأبتعد. وفي كل حلم كان البحر يعود بي إلى الشاطئ نفسه... وأنت بجانبي، طفلًا صغيرًا تبكي."
عبدو أمسك بيد أمه. كانت يدها باردة.
كان عبدو يمشي كل صباح على الشاطئ الشرقي، يجمع بعض الأخشاب الملقاة، ويبحث عن أي أثر للحياة. لكن الحياة قد غادرت الجزيرة منذ زمن.
قبل عشر سنوات، كانت القرية تضم أكثر من مئتي نسمة. كانوا يعيشون حياة بسيطة، يصطادون السمك، ويزرعون النخيل، ويروون حكايات قديمة حول النار. لكن كان هناك سر واحد يعرفه الجميع ولا يتكلمون عنه إلا همسًا:
الجميع كانوا عقيمين.
لا طفل واحد ولد في الجزيرة منذ اكثر من ثلاثون عام... إلا من ندى وزوجها، سالم.
عندما حملت ندى، احتفل أهل الجزيرة احتفالاً كبيرًا. اعتقدوا أن اللعنة قد انكسرت أخيرًا. رقصوا وغنوا وذبحوا ما تبقى لديهم من الماعز. لكن الفرح لم يدم طويلاً.
بعد ولادة عبدو بأشهر قليلة، بدأت التغييرات.
أولاً، شعر الشيوخ بآلام في مفاصلهم. ثم بدأ الشعر يشيب بسرعة مرعبة. الوجوه تتجعد، والأجساد تنحنى، والأنفاس تصبح قصيرة. كانوا يشيخون بمعدل سنة كاملة كل شهر. مات أولهم بعد سنة واحدة فقط من ولادة عبدو. ثم الثاني... والثالث...
واحد تلو الآخر، غادروا الحياة.
حتى سالم، والد عبدو، لم ينجُ. في السنة الاولى بعد ولادة ابنه، استيقظت ذات صباح اخبرونى انه غرق فى البحر كان يحاول ركوب البحر ليجد اماكن اخرى للعيش
والآن، بعد ثمانية عشر عام كاملة من ولادة عبدو، لم يبقَ أحد على قيد الحياة في الجزيرة بأكملها سوى الأم وولدها.
كان عبدو في الثامنة عشرة الآن. طويل، قوي البنية، ذو عيون سوداء حادة تشبه عيون أمه تمامًا. كان يقف على تلة صغيرة يطل منها على القرية المهجورة. الأكواخ فارغة، أبوابها مفتوحة، وأسقف بعضها سقطت. نباتات اللبلاب بدأت تغزو الجدران.
اقتربت ندى من خلفه. كانت لا تزال في الثامنة والثلاثين، لم تتقدم في السن يومًا واحدًا منذ ولادة ابنها. بشرتها ناعمة، وشعرها أسود كالحبر، وجسدها يحمل قوة غريبة.
"لا تذهب إلى القرية كثيرًا يا عبدو"، قالت بهدوء.
"لماذا؟" سأل دون أن يلتفت.
"لأن الأرواح لا تزال تتجول هناك."
التفت إليها عبدو. وجهه يحمل تعبيرًا مختلطًا بين الحزن والغضب المكبوت.
"أمي... ما السبب، لطالما سألتك فلم تجاوبى؟"
صمتت ندى.
تابع عبدو بصوت مكسور:
"كلما نظرت إلى بيوت القرية أتذكر وجوههم... كانوا يبتسمون لي عندما كنت طفلاً. كانوا يحملونني ويلعبون معي. ثم بدأوا يذبلون أمام عيني. وأنا... أنا لم أكبر إلا ببطء طبيعي. أما أنتِ فلم تشيخي أبدًا."
اقتربت ندى أكثر ووضعت يدها على كتفه."
دمعت عينا ندى لأول مرة منذ سنوات.
"هناك شيء لم أخبرك به بعد."
أمسك عبدو بذراع أمه بلطف لكنه بحزم.
"اليوم ستقولين لي كل شيء. لقد سئمتُ الصمت. سئمتُ هذه الجزيرة.
نظرت ندى إلى البحر الواسع الذي يحاصر الجزيرة من كل اتجاه، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
"تعال معي. سآخذك إلى الكهف الموجود خلف شلال الدموع. هناك... سأروي لك الحقيقة كاملة."
ندى نظرت إلى البحر طويلاً قبل أن ترد
"غدًا، عندما تشرق الشمس، سآخذك إلى مكان لم تره من قبل. مكان لا يذهب إليه أحد من أهل القرية."
"أين؟" الا المختارون
"إلى قلب الجزيرة... إلى الغابة الممنوعة."
نهضت ندى ووضعت يدها على كتف ابنها.
"لكن اسمعني جيدًا يا عبدو... بعد أن ترى ما سأريك إياه، لن تستطيع أن تنساه أبدًا. وقد تكرهني."
التفت عبدو بدهشة:
"أكرهكِ؟ مستحيل."
ابتسمت ندى ابتسامة غامضة وهي تنظر إلى البحر.
"كل شيء ممكن في هذه الجزيرة... حتى كره الابن لأمه."
"لكن اعلم أن ما ستراه وتسمعه قد يغير كل شيء بيننا.
قد تكرهني. قد تنفر مني.
لكن هذا هو الثمن الوحيد لمعرفة ما العمل إذا مات أحدنا."
وقف عبدو، قلبه يخفق بشدة.
"أنا مستعد."
نظرت ندى إلى القمر ثم إلى ابنها وقالت بصوت خافت:
"لا... لست مستعدًا بعد.
لكنك ستكون."
ظل الصمت ثقيلاً بينهما بعد كلام ندى عن الكهف. لكن في هذه الليلة، لم تستطع ندى أن تنام. جلست خارج المنزل طوال ساعات الظلام، تحدق في النار الخافتة، وتفكر.
عندما اقترب الفجر، استيقظ عبدو من غفوه قصيرة . رآها جالسة في نفس المكان، عيناها حمراء من قلة النوم. اقترب منها بهدوء وجلس بجانبها.
"أمي... لم تنامي؟"
هزت ندى رأسها ببطء. ثم رفعت عينيها إليه. كان في نظرتها شيء مختلف هذه المرة... مزيج من الحزم والخوف واليأس.
"عبدو... اجلس جيدًا. أريد أن أتكلم معك قبل أن نذهب إلى الكهف."
جلس عبدو أمامها مباشرة، ينتظر.
أخذت ندى نفسًا عميقًا، ثم بدأت بصوت هادئ لكنه واضح:
"يا ولدي... لقد فكرتُ كثيرًا في حلول لهذا الحال الذي نحن فيه.
فكرتُ ليالي طويلة، حتى جفَّ دماغي من التفكير.
فكرتُ في الهرب من الجزيرة، لكن البحر لا يرحم.
فكرتُ في انتظار معجزة، لكن المعجزات توقفت منذ ولادتك.
فكرتُ في أن أنهي حياتي بنفسي حتى لا أتركك وحيدًا... لكنني لم أستطع."
توقفت قليلاً، ثم تابعت بصوت أكثر انخفاضًا:
"فلم أهتدِ إلا إلى سبيل واحد."
نظر إليها عبدو بترقب شديد.
"وما هو هذا السبيل؟"
نظرت ندى إلى عينيه مباشرة، ولم تهرب بنظرها هذه المرة. قالت ببطء ستعلم
"حين كان الأولون في موقف مشابه لموقفنا... عندما بقي رجل وامرأة فقط في مكان ما، وانقرضت الحياة من حولهم...
كانوا يفعلون شيئًا واحدًا لكي يبقوا الجنس البشري."
توقفت لحظة، ثم أكملت:
"يتزوج الأخُ أخته... للتناسل.
لكي تبقى الحياة."
سقط الصمت كالصخرة بينهما.
حدق عبدو في أمه طويلاً، كأنه لم يفهم معنى الكلمات. ثم ارتجفت شفتاه، وتغير لون وجهه.
"ماذا... ماذا قلتِ؟"
أعادت ندى الكلام بهدوء، لكن صوتها كان يرتجف هذه المرة:
"قلتُ: تزوج الأخ أخته... لكي ينجبا أطفالًا، حتى لا تنقرض الحياة تمامًا.
هذا هو الحل الوحيد الذي وصلتُ إليه بعد كل هذه الليالي."
نهض عبدو فجأة، كأن شيئًا لسعه. ابتعد خطوتين إلى الخلف وهو ينظر إليها بذهول واشمئزاز مختلط.
"أمي... أنتِ... أنتِ تتحدثين عني و عنكِ؟
أنتِ أمي! أنا ابنكِ!
كيف... كيف تجرئين حتى على التفكير في هذا الكلام؟!"
هوا ضاحكا انتى تمزحين وذهب الى غرفته يتمايل من الضحك
وقفت ندى أيضًا، عيناها مليئتان بالدموع، لكن صوتها بقي ثابتًا تحدث نفسها بما لم تستطيع اخبار ابنها به
"أعرف يا عبدو. أعرف جيدًا ما أقوله.
أنا أمكِ الحقيقية، وأنت ابني الوحيد.
لكن إذا متُّ أنا، ستموت أنت وحدك بعد سنوات.
وإذا متَّ أنت، سأموت أنا من الوحدة.
هل تريد أن تنتهي البشرية في هذه الجزيرة إلى الأبد؟
هل تريد أن يكون آخر إنسانين في العالم هما أم وابنها، ثم ينتهي كل شيء؟"
"هناك فرق بين البقاء وبين... هذا!
هذا حرام! هذا مرض! هذا..."
"هذا هوا البقاء!" .
"في زمن الأولين فعلوها عندما اضطروا. والآن نحن مضطرون أكثر منهم.
"غدًا سنذهب إلى الكهف كما وعدتك.
ستعرف هناك لماذا حدث كل هذا... ولماذا أنا لم أشِخ مثل الآخرين."
ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
والآن... أصبح للسؤال جواب مرعب
وصلا إلى شلال الدموع بعد مشي طويل وصعب. كان الشلال يسقط من ارتفاع شاهق، وخلفه فتحة ضيقة تؤدي إلى كهف مظلم. دخلا الكهف بحذر، حاملين معهما مشعلين من خشب النخيل المجفف.
داخل الكهف كان الهواء باردًا ورطبًا، ورائحة الطين والحجر القديم تملأ المكان. أشعل عبدو المشعلين، فارتفعت النيران وكشفت عن جدران الكهف المغطاة بنقوش وكتابات ، محفورة بعناية في الحجر.
كانت النقوش تحتوي على رسوم وكلمات بلغة قديمة، لكنها مفهومة بطريقة غريبة، كأن اللعنة نفسها تسمح لهما بقراءتها.
بدأت ندى تمسك بالمشعل وتقرأ بصوت هادئ مرتجف، بينما وقف عبدو بجانبها يستمع في صمت شديد.
كتب على الجدار الأول بخط كبير وواضح:
«هذه الجزيرة ملعونة بالعقم.
كل ألف عام تنزل اللعنة على أهلها.
يصبح الجميع عقيمًا، ويموت النسل تدريجيًا.
لكن القدر يختار شابًا وفتاة بشكل عشوائي من بين الأهالي.
يجب على الشاب والفتاة أن يتزوجا، ليكملا نسل الجزيرة.
فجميع نسلهم سيكون غير عقيم، وسيعود الخصب إلى الجزيرة من جديد.»
انتقلت ندى إلى الجدار الثاني، صوتها أصبح أثقل:
«من يرفض الزواج... تموت الجزيرة بأكملها.
ومن يقبل... يحصل على مكافئه سخيه العمر الطويل والشباب والخصوبه.»
سكتت ندى للحظات. كان عبدو يقرأ النقوش بنفسه، عيناه تتسعان من الدهشة والرعب.
ثم تابعت الأم، وهي تشير إلى نقش أعمق في الجدار:
"وللأسف يا عبدو... كان أبوك هو الشاب الذي اختاره القدر.
وكنتُ أنا الفتاة.
تزوجنا رغمًا عنا في البداية. كنا خائفين جدًا. لكننا تزوجنا... وأنجبناك أنت.
بعد ولادتك مباشرة... بدأت اللعنة تفعل فعلها.
شاخ أهل الجزيرة بسرعة مرعبة، وماتوا واحدًا تلو الآخر.
ثم غرق أبوك فجأة في البحر ... غرق ولم نجد جثمانه.
غرق أهل الجزيرة في اليأس بعد موته. مرضوا من الحزن والخوف، وماتوا جميعًا خلال سنوات قليلة.
وبقيت أنا... وبقيت أنت."
توقفت ندى عن القراءة. دموعها كانت تسيل على وجنتيها الآن دون أن تحاول إخفاءها.
التفتت إلى ابنها وقالت بصوت مكسور:
"لم أكن أفكر أبدًا أنك يمكن أن تحل مكان أبيك.
كنت أصلي كل ليلة أن تنكسر اللعنة، أو أن يأتي أحد من خارج الجزيرة...
لكن السنين مرت، ولم يأتِ أحد.
وبقينا نحن الاثنين فقط.
الآن... أدركت أن القدر ربما اختارك أنت لتكمل الدورة.
أنا الفتاة التي اختيرت قبل عشرين سنة...
وأنت الشاب الوحيد المتبقي."
وقف عبدو أمام الجدار، يده تمسك بالحجر البارد. كان يقرأ النقوش مرة بعد أخرى، كأنه يحاول أن يجد ثغرة، أي ثغرة في هذه اللعنة.
"يعني... كل هذا بسبب لعنة قديمة؟" قال بصوت منخفض.
"يعني أنني ولدت فقط لأكون زوجًا لأمي يومًا ما؟
هذا هو القدر الذي تتحدثين عنه؟"
اقتربت ندى منه ووضعت يدها على كتفه بلطف.
"أنا لا أعرف يا ولدي.
كل ما أعرفه أنني لا أريد أن أراك تموت وحيدًا مثل أبيك.
ولا أريد أن أموت أنا وأنا أنادي عليك ولا أحد يجيب.
النقوش تقول إن نسلنا سيكون غير عقيم... يعني لو أنجبنا أطفالًا، سيعيشون ويتناسلون وتمتلئ الجزيرة من جديد."
دار عبدو فجأة نحو أمه، وجهه مليء بالألم والغضب والحيرة:
"وأنتِ مستعدة أن تفعلي هذا؟
أن تكوني زوجة لابنكِ... من أجل إنقاذ الجزيرة؟"
أجابت ندى بصوت هادئ لكنه يحمل قوة غريبة:
"أنا مستعدة أن أفعل أي شيء حتى لا تنقرض الحياة تمامًا...
حتى لو كان الثمن كرامتي وكرامتك."
ساد الصمت في الكهف مرة أخرى، مقطوعًا فقط بصوت الشلال الخارجي.
كان عبدو ينظر إلى النقوش القديمة، ثم إلى وجه أمه، ثم إلى يديه اللتين ترتجفان.
اللعنة لم تعد مجرد كلام... أصبحت حقيقة محفورة في الحجر أمامه.
تعليقات من فضلكم